أحمد بن يحيى العمري

14

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

مثل يزيد بن الوليد بن عبد الملك من الأمويين ، وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم من الأمويين بالأندلس ، والمهتدي بالله محمد بن هارون الواثق بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد ، من العباسيين على الرغم من تأخر عهدهم وضعف دولتهم . إن هذا السّفر صورة صادقة للحياة العربية في ازدهارها وحضارتها وغناها وانتشارها ، وصورة لحياة الأمم وسقوطها وتشتتها وانهيارها ، وللمؤلف ابن فضل الله العمري منهج متميز في دراسته وعرضه للأحداث والأخبار ، فهو يبدأ كل ترجمة بمقدمة يعرض فيها ملخصا لسيرة صاحب الترجمة ، وأهم مميزاته ، والظروف والأحداث التي مرت به ، بأسلوب أدبي يغلب عليه السجع ، وهو أسلوب جميل رفيع يدل على ثقافة عالية ودراية واسعة ومحفوظ كثير ، من الأشعار والأمثال والخطب ، التي يستعير بعضها ويضمّنها في أسلوبه ، ثم بعد هذه المقدمة التي قد تطول وقد تقصر ، يذكر أهم صفات الخليفة وسيرته ، والأحداث التي شغلته ، وبعض رجال عصره ، ينقل ذلك من المصادر التي سبقته أو التي عاصرته ، ينقل أحيانا ما يختاره نقلا حرفيا ، ويلخص في أحيان أخرى ، ويصوغ بعضها بأسلوبه ، ويشير في كل ذلك إلى الكتب التي أفاد منها ، ونقل عنها ، وقد ينفرد بمعلومات لا نجدها في كتب التاريخ والأدب ، وهو في كل ذلك يلتزم جانب الحياد والموضوعية دون ميل أو تعصب ، إلا في الحالات التي يرى أن الفساد قد عمّ فيها وطمّ ، وهو في منهجه هذا مثال الباحث الفذ الأصيل الذي يصلح قدوة لكثير من الباحثين المحدثين الذين تنقصهم الأمانة والعدل والموضوعية .